
تتميز المخرجة الفلسطينية مي المصري بعين ذكية. فقد استطاعت الوصول، بالعين المجردة الى أعمق مفاصل الإنسان وأحاسيسه. وكانت عينها الكاميرا القديرة، أكثر مما كانت الكاميرا عينها القديرة. جسدت بأعمالها السينمائية الكثيرة، صورة الحياة بأدق تفاصيلها ومعانيها، وذهبت عميقاً في استحضار المعنى والشعور من خلال الصورة وحركتها الصافية. أفلام سينمائية ووثائقية أنجزتها المصري، وكلها أفلام مزدحمة بقوة الفعل ونشاط الحركة وصحوة العقل والوعي الرصين. غاصت، بالصوت والصورة والحركة، في تفاصيل القضايا التي تشغل الإنسان والعالم. لامست الجرح والعذاب والأمل، وكانت الصورة النابضة بالحياة.
هي مخرجة من طراز رفيع تقول ما تريد وما يريد أن يقوله الآخر. فمن خلال الشاشة الكبيرة حرّكت المشهد الراكد، بحيوية إبداعية راقية جداً. وفي جديدها السينمائي ما هو أبلغ وأقدر. فقد تمكنت من تحقيق الصورة التالية في المشهد، مشهد المعاناة الفلسطينية. استطاعت أن تعكس، في فيلمها الروائي «3000 ليلة» معاناة المرأة الفلسطينية، وذلك من خلال قصة حقيقية لسيدة تضع مولودها داخل أحد السجون الإسرائيلية وهي مقيدة بالسلاسل. واللافت أن هذا المشهد السينمائي ــ الموقف الأخلاقي الكبير كان بمثابة نقطة التحوّل في الموقف والرأي، التحوّل نحو الأمل، لا السير في مساحة القهر المتعارف عليها.
ويروي الفيلم قصة المعلّمة الشابة «ليال» التي تعيش حياة زوجية هانئة في مدينتها المحتلة نابلس في الضفة الغربية قبل أن تتبدل حياتها بعد توقيفها من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلية بتهمة مساعدة مراهق فلسطيني مشتبه بأنه شنّ هجوماً على نقطة تفتيش. تقول مي المصري إنها تعرفت إلى تلك السيدة عن كثب: «تعرفت إليها إثر تصويري لأحد أفلامي في مسقط رأسي نابلس خلال الانتفاضة الأولى. وأكدت لي أنها أنجبت ابنها داخل سجن إسرائيلي. وهذا اللقاء معها كان بداية (مشوقة) لفكرة الفيلم».